کلام النبي(ص)
« اِنَّ قَلِيلَ العَمَلِ مَعَ العِلمِ کَثِيرٌ وَ کَثِيرَ العَمَلِ مَعَ الجَهلِ قَلِيلٌ »
نهج الفصاحه ، حديث 873
کار اندک که با بصيرت و دانش انجام گيرد بسيار است و کار بسيار که با ناداني صورت پذيرد اندک است .
  • التاريخ : الاثنين 28 جمادى الاولى 1432

بيعة العقبة


           

  
  
  
كان (وادي القرى) في ما مضى من الزمن طريق التجارة من اليمن الى الشام، فكانت القوافل التجارية القادمة من اليمن تدخل وادياً طويلاً يدعى بوادي القرى بعد العبور بالقرب من مكة، وكانت المناطق الواقعة على طول هذا الوادي مناطق خضراء، ومن هذه المناطق مدينة قديمة كانت تدعى ب: يثرب والتي عرفت فيما بعد بمدينة الرسول.
وقد سكن في هذه المدينة منذ اوائل القرن الرابع الميلادي قبيلتا : «الاوس والخزرج» اللتان كانتا من مهاجري عرب اليمن (من القحطانيين).
وكان يعيش الى جانبهم الطوائف اليهودية الثلاث المعروفة : «بنو قريظة» و«بنو النضير» و«بنو قينقاع» الذين كانوا قد هاجروا اليها من شمال شبه الجزيرة العربية واستوطنوها.
وكان يقدم الى مكة كل عام جماعة من عرب يثرب للاشتراك في مراسيم الحج، وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يلتقي بهم في تلك المواسم، ويجري معهم اتصالات.
وقد مهدّت بعض هذه اللقاءات للهجرة، وصارت سبباً لتمركز قوى الاسلام المتفرقة، في تلك النقطة.
على ان كثيراً من تلك الاتصالات وان لم تثمر ولم تنطو على أية فائدة فعلية إلا أنها تسببت في أن يحمل حجاج يثرب - لدى عودتهم - انباء ظهور النبيّ الجديد وينشروه في أوساط المدينة كأهم نبأ من انباء الساعة، ويلفتوا نظر الناس في تلك الديار الى مثل هذا الامر المهم والخطير.
ولهذا نقلنا هنا بعض اللقاءات والاتصالات التي تمت بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وجماعات من اهل هذه المدينة في السنة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة من البعثة لتتضح بدراسة هذه المطالب علة هجرة النبيّ الاكرم صلّى اللّه عليه وآله من مكة الى يثرب، وتمركز قوى المسلمين في تلك المنطقة.
1 - كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كلما سمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف تصدى له، ودعاه الى الاسلام وعرض عليه ما عنده.
وقد قدم مرة «سويد بن الصامت» فتصدى له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حين سمع به فدعاه الى اللّه والى الاسلام فقال له سويد : فلعلّ الذي معك مثل الذي معي.
فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : وما الذي معك.
قال : مجلة لقمان - يعني حكمة لقمان -.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إِعرضها عليَّ فعرضها عليه. فقال له : إِن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا. قرآن انزلهُ اللّهُ عليّ هو هدى ونور.
ثم تلا عليه رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله القرآن ودعاه الى الاسلام، فقال سويد إِنّ هذا قول حسن وآمنَ برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتله الخزرج فيما كان يتلفظ الشهادتين، وكان قتله قبل يوم بعاث(1)(2).
2 - قدم «انس بن رافع» مكّة ومعه فتية من بني عبد الاشهل فيهم «ياس بن معاذ» أيضاً، يلتمسون الحلف والنصرة على قومهم من الخزرج، فسمع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأتاهم وجلس اليهم وقال لهم : هل لكم في خير مما جئتم له ؟
فقالوا له : وما ذاك ؟
قال : «أنا رسول اللّه بعثني إِلى العباد أدعوهم الى أن يعبدوا اللّه ولا يشركوا به شيئاً وأنزل عليّ الكتاب» ثم ذكر لهم الاسلام، وتلا عليهم القرآن.
فقال أياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً شهماً : أي قوم هذا واللّه خير مما جئتم له.
فقد أدركَ جيّداً أن دين التوحيد يكفُلُ كلَّ حاجاتهم فهو دين شامل مبارك لأنه سيصهِرُ الجميع في بوتقة الاُخوّة الواحدةِ فتزول عندئذٍ أسبابُ العداء والقتال، وبذلك ينهي كل مظاهرِ الحرب والتنازع، وكلّ مظاهر الفساد والتخريب فهو أفضل من طلب المساعدة العسكرية من قريش التي جاؤوا من أجلها الى مكة، فآمن برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من دون ان يكسب رضا رئيس قبيلته «انس بن رافع» واستئذانه، ولهذا غضب أنس وأخذ حفنة من تراب البطحاء وضرب بها وجه إياس وقال : دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمَتَ اياس وقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عنهم وانصرفوا الى المدينة، وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج ولم يلبث اياس ان هلك، وقد سمعه قوم حضروا عند وفاته يهلّل اللّه تعالى ويكبّره ويحمده ويسبّحه حتى مات، فما كانوا يشكّون أنه قد مات مسلماً، ولقد استشعر الاسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما سمع(3).
   
وقعة بُعاث
كانت وقعة بُعاث من الحروب التاريخية بين الأوس والخزرج، ففي هذه الوقعة انتصر الأوسيون على منافسيهم، وأحرقوا نخيل الخزرجيين، ثم وقعت بعد ذلك حروب ومصالحات بينهم.
ولم يشترك «عبد اللّه بن اُبيّ» وهو من أشراف الخزرج في هذه الوقعة من هنا كان موضع احترام من القبيلتين، وكاد الطرفان يفقدان مقاومتهما بسبب تكرر الحروب، وتحمّل الخسائر الثقيلة، ولهذا رغب الطرفان في عقد صلح بينهما يضع حدّاً لجميع أشكال العمليات العسكرية، والغزو والاقتتال، والثأر والانتقام، وأصرّت القبيلتان على «عبد اللّه بن اُبي» بان يقبل بقيادة عمليّة المصالحة هذه، بل وأعدوا له تاجاً يتوّجونه به، حتى يصبح أميراً في وقتِ معيّنٍ، ولكن هذا المشروع تعرض للانهيار والسقوط وواجه الفشل على أثر اعتناق جماعة من الخزرج الاسلام، ففي هذا الوقت بالذات التقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بمكة بستة اشخاص من رجال الخزرج ودعاهم الى الاسلام فآمنوا به، ولبُّوا دعوته.
   
تفصيل الحادث
خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كلّ موسم فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الانصار وكانوا ستة انفار من الخزرج فقال لهم : أمِن موالي اليهود ؟ وهل لكم حلف معهم.
قالوا : نعم.
قال : أفلا تجلسُون اُكَلِّمُّكُم ؟
قالوا : بلى.
فجلسوا معه، فدعاهم إِلى اللّه عزّ وجلّ وعرض عليهم السلام وتلا عليهم القرآن، فاحدثت كلمات النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في نفوسهم أثراً عجيباً، وممّا ساعد على ذلك أن يهوداً كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهلَ شرك وأصحاب أوثان، وكان اليهود قد غزوهم في بلادهم، فكانوا إِذا وقع بينهم نزاع وكان بينهم شيء قال اليهود لهم : إِن نبياً مبعوث الآن، قد اظلّ (او أطلّ) زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإِرم، فكانت اليهود تخبر بخروج نبيٍّ من العرب ينشُر التوحيد، وتنتهي على يديه حكومة الوثنية والشرك، قد قرب ظهوره.
فلما كلَّمَ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله اُولئك النفر، ودعاهم إلى اللّه، قال بعضهم لبعض يا قوم : تعلّموا واللّه إِنه للنبيُّ الذي توعدّكم به يهود فلا تسبقنكم اليه.
فاجابوه فيما دعاهم اليه، بان صدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام، وقالوا : إِنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم، فعسى أن يجمعهم اللّهُ بك، فسنقدم عليهم فندعوهم الى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك اليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللّه عليه فلا رجل اعز منك(4).
  
بيعة العقبة الاُولى
لقد أثّرت دعوة هؤلاء الستة، الجادة في يثرب تأثيراً حسناً حيث سبّبت في إِسلام فريقٍ من اهل يثرب واعتناقهم عقيدة التوحيد.
فلما كان العام المقبل (أي السنة الثانية عشرة من البعثة) قدم مكة اثنا عشر رجلاً من اهل يثرب، فلقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالعقبة، وانعقدت هناك أوّل بيعة اسلامية.
وابرز هؤلاء الرجال هم : أسعد بن زرارة، وعبادة بن الصامت، وكان نص هذه البيعة - بعد الاعتراف - بالاسلام والايمان باللّه ورسوله هو :
بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على أن لا نشرك باللّه شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.
فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : إِن وفيتم فلكمُ الجنة، وان غشّيتم من ذلك شيئاً فامركم إِلى اللّه عزّ وجلّ إِن شاء عذّبَ، وان شاء غفر.
وهذه البيعة اصطلح على تسميتها المؤرخون وكتّابُ السيرة ببيعة النساء، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله اخذ البيعة من النساء في فتح مكة على هذا النحو(5).
وعاد هؤلاء النفر الى يثرب بقلوب مفعمةٍ بالايمان، مترعة بمحبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فعمدوا الى نشر الاسلام، وكتبوا الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يبعث لهم من يعلّمهم الاسلام والقرآن، فبعث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لهم «مصعب بن عمير» وأمره بان يقرئهم القرآن، ويعلمهم الاسلام، ويفقّههم في الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة.
واستطاع هذا المبلّغُ القديرُ، وهذا الداعية النشيط ان يجمع المسلمين بفضل عمله الدؤوب والحكيم، وتبليغه الصحيح في غياب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، ويؤمّهم، ويصلي بهم(6).
  
بيعة العقبة الثانية
لقد أحدث تقدم الاسلام في يثرب هيجاناً كبيراً وشوقاً عجيباً في نفوس المسلمين من أهلها، فكانوا ينتظرون بفارغ الصبر حلول موسم الحجّ، ليقدموا مكة، ويلتقوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن كثب، ويُظهروا له استعدادهم لتقديم ما يطلبُ منهم من خدمةٍ وعملٍ، وليستطيعوا توسيع نطاق البيعة من حيث الكَمّ ومن حيث الكيف.
وأخيراً حلّ موسم الحجّ فخرجت قافلة كبيرة من أهل يثرب للحجّ تضمّ خمسمائة نفر فيهم ثلاث وسبعون من المسلمين من بينهم امرأتان، والباقي إِما راغبون في الاسلام، واما غير مكترث به، حتى قدموا مكّة، والتقوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فواعدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالعقبة للبيعة اذ قال : «موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريف».
فلما كانت الليلة الثالثة عشرة من شهر ذي الحجة وهي التي واعدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فيها باللقاء، ونام الناس حضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع عمّه «العباس بن عبد المطلب» قبل الجميع، وخرج المسلمون من رحالهم يتسلّلون تسلل القطا مستخفين بعد أن ناموا مع قومهم في رحالهم، ومضى ثلث الليل لكي لا يحسّوا بخروجهم، حتى اجتمعوا في الشعب عند العقبة، ولما استقرّ المجلس بالجميع، كان أوّل متكلم هو : العباس بن عبد المطلب فقال واصفاً منزلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي هذا الحي من الانصار الخزرج خزرجها وأوسَها - إِنّ محمّداً مِنّا حيث قد علمتم، وقد منعناهُ من قومنا، فهو في عزّ من قومه، ومنعة في بلده، وإِنّه قد أبى إِلا الإنحياز اليكم، واللُحوق بكم، فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إِليه، ومانعوه ممّن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإِن كنتم ترون أنكم مُسلِمُوهُ وخاذِلُوهُ بعد الخروج به إِليكم، فمن الآن فدعوهُ فانه في عِزّ ومنعةٍ من قومه وبلده.
فقال الحضور : قد سمعنا ما قلت فتكلّم يا رسول اللّه، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلمَ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فتلا القرآن ودعا إِلى اللّه ورغّب في الاسلام، ثم قال : اُبايعُكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فقام البراء بن معرور وأخذ بيد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقال : نعم والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنَّك مما نمنع منه اُزُرنا(7) فبايعنا يا رسول اللّه فنحن واللّه ابناء الحروب واهل الحلقة (اي السلاح) ورثناها كابراً عن كابر.
فدب في الحضور حماس وسرور عظيم وتعالت الاصوات والنداءات من الخزرجيين والتي كانت تعبيراً عن شدة حماسهم، وسرورهم لهذا الأمر، فقال العباس وهو آخذ بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.
وفي هذا الاثناء نهض «البراء بن معرور» و«أبو الهيثم بن التيهان» و«أسعد بن زرارة» من مواضعهم وبايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثم بايعه بقية القوم جميعاً.
وقد قال ابن التيهان عند مبايعته للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله يا رسول اللّه إن بيننا وبين الرجال (اي اليهود) حبالاً (وعلاقات) وإِنا قاطعوها، فهل عسيت إِن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه، أن ترجعَ إِلى قومك وتدعنا ؟
فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثم قال : «بل الدم الدم، والهدم الهدم احارب من حاربتم واسالم من سالمتم» يعني أنه سيبقى على العهد، ولا يتركهم وكانت العرب تقول عند عقد الحلف : دمي دمُك، وهدمي هدمُك، وهي كناية عن البقاء على العهد واحترام الميثاق والحِلف.
ثم ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : أخرجُوا إِليّ منكم إِثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم(8).
فأخرَجوا منهم اثني عشر نقيباً فقال صلّى اللّه عليه وآله لاولئك النقباء : «انتم على قومكم بما فيهم كُفلاء ككفالة الحواريّين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي (يعني المسلمين) فاُبايعُكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم».
فقالوا : نعم وبايعوه على ذلك.
وكان النقباء الذين اختيروا لذلك تسعةً من الخزرج وثلاثةً من الأوس وقد ضُبِطَت أسماؤهم وخصوصياتهم في التاريخ وبعد أن تمّت مراسم البيعة وعدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بأن يهاجِرَ إِليهم في الوقت المناسب، ثم ارفض الجمع وعادَ القومُ إِلى رحالهم(9).
أوضاعُ المسلمين بعد بيعة العقبة :
والآن ينبغي أن نجيب بالتفصيل على السؤال الذي يطرح نفسه هنا وهو : ما الذي دعى أهل يثرب الذين كانوا بعيدين عن مركز ظهور الاسلام إِلى ان يستجيبوا لنداء الرسول صلّى اللّه عليه وآله ويأخذوا بتعاليمه اسرع من المكيين مع ما كان بين المكيين وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من القرابة القريبة ؟
وكيف تركت تلك اللقاءاتُ المعدودةُ القصيرةُ بأهل يثرب آثاراً تفوق الآثار التي تركتها الدعوةُ المحمّدية خلال ثلاثة عشر عاماً في مكة ؟
إِن علة هذا التقدم يمكن اختصارها وحصرها في أمرين :
أوّلاً : أن اليثربيّين جاوروا اليهودَ سنيناً عديدة وطويلة قبل الاسلام، وكثيراً ما كانوا يتحدّثون في مجالسهم وأنديتهم عن النبيّ العربيّ الذي يظهر، ويأتي بدينٍ جديدٍ.
حتى أن اليهود كانوا يقولون للوثنيين: إِنّ هذا النبيّ سيقيم دينَ اليهود وينشره، ويمحي الوثنية ويقضي عليها بالمرة.
فتركت هذه الكلماتُ أثراً عجيباً في نفوس أهل يثرب، وهيّأت قلوبهم لقبول الدين الذي كان يخبر عنه يهودُ وينتظرونه، بحيث عندما التقى الانفار الستة من اهل المدينة الى الايمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لأوّل مرّة، بادروا الى الايمان به من غير إِبطال ولا تأخير بعد أن قال بعضهم لبعض : واللّه إِنّه للنبيّ الذي توعّدكم به يهود فلا تسبقنكم اليه.
ومن هنا فان مما يأخذه القرآن على اليهود هو : أنكم كنتم تهددون الوثنيين بالنبيّ العربيّ، وتبشرون الناس بانه سيظهر، وانهم قرأوا أوصافه وعلائمه في التوراة، فلماذا رفضوا الإيمان به لمّا جاء صلّى اللّه عليه وآله.
يقول تعالى: (ولَمّا جاءهُم كِتاب مِن عندِ اللّهِ مُصدِّق لِما معهُم وكانُوا مِن قبلُ يستفتِحُون على الّذينَ كفرُوا، فلمّا جاءهُم ما عرفُوا كفرُوا بهِ، فلعنَةُ اللّهِ على الكافِرين)(10).
ثانياً : إِنّ العامل الأخير الذي يمكن اعتبارهُ دخيلاً في التأثير في نفوس اليثربيين وسرعة إِقبالهم على الإسلام وتقبّلهم لدعوة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله هو التعب والارهاق الذي كان اهل يثرب قد اُصيبوا به من جرّاء الحروب الطويلة الدامية فيما بينهم والتي استمرّت مائة وعشرين عاماً والتي انهكتهم وكادت أن تذهب بما تبقّى من رمقهِم، وجعلتهم يملّون الحياة، ويفقدون كلّ أملٍ في تحسّن الأحوال والاوضاع.
وإِن مطالعة وقعة «بُعاث» وهي - حرب وقعت بين الأوس والخزرج - وحدها كفيلة بأن تجسد لنا الوجهَ الواقعي الذي كان عليه سكان تلك الديار.
ففي هذه الوقعة انهزم الاوسيّون على يد الخزرجيين، فهربوا الى «نجد»، فعيّرهم الخزرجيّون بذلك، فغضب «الحضير» سيد الأوس، لذلك غضباً شديداً، فطعن فخذه برمحه لشدة انزعاجه وغضبه، وترجّل عن فرسه وصاح بقومه قائلاً : واللّه لا أقوم من مكاني هذا حتى اُقتل!! فأوقد صمود «الحضير» وثباته نار الحمية والغيرة واشعل روح الشهامة والبسالة في قومه، فقرروا الدفاع عن حقهم مهما كلفهم الامر، فقاتلوا أعداءهم مستميتين، والمستميت منتصر لا محالة، فانتصر الأوسويون المغلوبون، هذه المرة، وهزموا الخزرج هزيمة نكراء واحرقت مزارعهم ونزل بهم ما نزل على يد الاوسيين!!(11).
ثم تتابعت الحروب والمصالحات بعد ذلك، وكانت القبيلتان تتحملان في كل مرة خسائر كبرى، جعلتهم يواجهون عشرات المشاكل التي حوّلت حياتهم الى حياة مضنية متعبة جداً.
من هنا لم تكن كلتا القبيلتين راضيتين على أوضاعهما، وكانتا تبحثان عن مخلص مما هما فيه، من الحالة السيّئة، وتفتشان عن نافذة أمل، ومخرج من تلك المشاكل.
ولهذا وجد الخزرجيون الستة ضالّتهم المنشودة عندما التقوا - ولاول مرّة - رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسمعوا منه ما سمعوا، فتمنّوا أن يضعوا به حداً لاوضاعهم المتردية إِذ قالوا له : عسى أن يجمعهم اللّه بك فان جمعهم اللّه بك فلا رَجلَ أعَزّ منك.
كانت هذه هي بعض الأسباب التي دعت اليثربيين إِلى تقبّل الاسلام بشوقٍ ورغبةٍ وحماس.
  
ردود فعل قريش تجاه بيعة العقبة
كانت قريش تغطّ في نوم عميق وكانت تتصور بانها قد حدّت من تقدم الاسلام في مكة وانه قد بدأ يتقهقر ويسير باتجاه السقوط والاندحار، وأنه لن ينقضي زمان إِلا وتنطفئ جذوة الاسلام وتخمد شعلته، وتنمحي آثاره.
وفجأة استيقظت على دويّ بيعة العقبة الثانية التي كانت بمثابة انفجار قلبت كل المعادلات، وأسقطت كل تصورات قريش الساذجة، وذلك عندما عرف زعماء الوثنيين بأن ثلاثاً وسبعين شخصاً من اليثربيين عقدوا ليلة أمس وتحت جنح الظلام بيعة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على أن يدافعوا عنه كما يدافعون عن أبنائهم وأهليهم.
فأحدث هذا النبأُ خوفاً عجيباً في قلوب قادة قريش وسادة مكة المشركين المتغطرسين، لانهم أخذوا يقولون مع أنفسهم : لقد وجد المسلمون الآن قاعدة قوية في قلب الجزيرة العربية، وانه يُخشى أن يجمع المسلمون كل طاقاتهم المبعثرة فيها، ويعملون معاً على نشر دينهم، وبث عقيدتهم، وحينئذ ستواجه الوثنية في مكة خطراً جدياً، يهدّدُها في الصميم.
ولهذا بادرت قريش إِلى الاتصال بالخزرجيين صبيحة تلك الليلة وقالوا لهم : يا معشر الخزرج انه قد بلغنا أنكم قد جئتم إِلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، إِنه واللّهِ ما من حيّ من العرب أبغض إِلينا أن تنشب الحربُ بيننا وبينهم، منكم.
فحلفَ المشركون من أهل يثرب لقريش أنه ما كان من هذا شيء، وما علموه، وقد صدقوا لأنهم لم يعلموا بما جرى في العقبة. فان قافلة اليثربيين كانت تضمُّ خمسمائة شخص، تسلّلَ منهم ثلاث وسبعون فقط الى العقبة وبقية الناس نيام لا يعلمون بشيء.
فأتتقريش إِلى «عبد اللّه بن اُبيّ بن سلول» فسألوه عمّا جرى في ليلة العقبة، فأنكر ذلك وقال : إِنّ هذا الأمر جسيم، ما كان قومي ليتفوتوا عليّ بمثل هذا (أي يعملوه من دون مشورتي) وما علمته كان، فنهض رجال قريش من عنده ليتابعوا تحقيقهم حول الحادث.
فعرف المسلمون الذين حضروا ذلك المجلس وبايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بفشوّ أمرهم، وانكشاف سرهم، ولهذا قال بعضهم لبعض : ما دمنا لم نُعرَف بعدُ فلنخرج من مكة فوراً قبل ان يظفر المشركون بنا، ولهذا أسرعوا في الخروج من مكة والتوجّه الى المدينة، فزاد ذلك من سوء ظن قريش وعزّزت شكوكهم حول البيعة، وعرفوا بانه قد كان، فخرجوا في طلب جميع اليثربيين، ولكنهم لم يتنبهوا لذلك إِلا بعد خروج قافلة اليثربيين من حدود مكة، والمكيين، ولم تظفر قريش إِلا بسعد بن عبادة.
غير أن ابن هشام يرى بأنّهم ظفروا بنفرين هما : «سعد بن عبادة» و«المنذر بن عمر»، وكان كلاهما من النقباء الاثني عشر.
وأما «المنذر» فاستطاع أن يخلّص نفسه منهم.
وأما «سعد» فقد أخذوه، وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رَحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بجمّته(12) وكان ذا شعرٍ كثيرٍ.
يقول سعد فواللّه إِنّي لفي أيديهم إذ طلع عليّ نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض، طويل القامة، فقلت في نفسي : إِن يكُ عند أحدٍ من القوم خير فعند هذا.
قال : فلما دنى منّي رفع يده فلكمني لكمةً شديدةً.
فقلتُ في نفسي : لا واللّه، ما عندهم بعد هذا من خير.
قال : فواللّه إِنّي لفي أيديهم يسحبونني إِذ رقّ عليَّ رجل كان معهم، فقال : ويحك أما بينك وبين أحدٍ من قريش جوار ولا عهد ؟
قلت : بلى كنتُ اُجير لجبير بن مُطعِمٍ بن عدي تجارةً، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي.
فذهب ذلك الرجلُ الى مُطعِمٍ وأخبره بما فيه سعد بن عبادة من الحال، وأنه أخبره بأنه كان يجير لمطعم تجارة فقال مُطعِم : صدق واللّه إِنه كان ليجير لنا تجارة، ويمنعهم أن يُظلموا ببلده ثم أسرع إِلى سعد وخلّصه من أيديهم.
وكان رفقاء سعد من المسلمين قد علموا بوقوعه في أيدي قريش في أثناء الطريق إِلى المدينة، فعزموا على أن يعودوا إِلى مكة ويخلّصوه من أيدي المشركين، وبينما هم كذلك إِذ بدى لهم «سعد» من بعيد، وأخبرهم بما جرى عليه(13).
  
تأثير الاسلام ونفوذه المعنوي
يصرُ المستشرقون على أن انتشار الاسلام ونفوذه في المجتمعات تمّ بواسطة السيف وفي ظلّ استخدام القوّة.
اما بطلان هذا الكلام فسيثبت من خلال الحوادث القادمة.
ونحن نذكر هنا للمثال حادثةً وقعت قبل الهجرة، ونلفت اليها نظر القارئ الكريم، فان دراستها والتعمق فيها يثبت بجلاء ان انتشار الاسلام ونفوذه في أوساط الناس كان في بداية الأمر نابعاً من جاذبيته التي كانت تجذب كل انسان بمجرد إعطاء شرح مختصر عنه وتعاليمه المحببة اليه.
  
واليك الحادثة بنصها :
قرر مصعب بن عُمير المبلّغ والداعية الاسلامي المعروف الذي بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الى المدينة بطلب من اسعد بن زرارة، ذات يوم أن يدعو هو واسعد أشراف المدينة وساداتها الى الاسلام بالمنطق والدليل فدخلا حائطاً(14) من حوائط المدينة فجلسا هناك واجتمع اليهما رجال ممن اسلم، وكان سعد بن معاذ واسيد بن حضير وهما من سادات بني الاشهل موجودين هناك أيضاً.
فقال سعد لاسيد : جرّد حربتك وقل لهذين (يعني مصعباً واسعد) ماذا جاء بهما الى ديارنا يسفهان ضعفاءنا، ولولا أن سعد بن زرارة ابن خالتي، لكفيتُك ذلك.
ففعل اُسيد ذلك وقال لمصعب ما جاء بكما الينا تسفّهان ضعفاءنا وراح يشتمهما فقال له مصعب داعية الاسلام الحكيم، والمتكلم البليغ الذي تعلّم اسلوب الدعوة المؤثر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أوَتجلس فتسمع، فان رضيت أمراً قبلته، وان كرهته كفّ عنك ما تكره ؟
قال : أنصفت ثم ركّز حربته وجلس إِليهما يستمع لقولِهما فكلّمه مصعب بالاسلام، وقرأ عليه شيئاً من القرآن، فأثّرت آياتُ القرآن وما قاله مصعب من المواعظ البليغة في نفسه حتى عُرِف ذلك في إِشراق وجهه، وانفراج اساريره، وشوقه فقال : ما احسن هذا الكلام واجمله ؟ كيف تصنعون إِذا اردتم أن تدخلُوا في هذا الدين ؟ فقال مصعب وأسعد له : تغتسل فتطهر وتغسل ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي.
فقام اسيد بن حضير الذي حضر لقتل مصعب وسعد من عندهما مبتهجاً مسروراً فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهّد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين.
ثم قال لهما : ان ورائي رجلاً إِن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وساُرسله إِليكما الآن، ثم اخذ حربته وانصرف الى سعد بن معاذ الذي كان ينتظر عودته على أحرّ من الجمر فلما نظر اليه سعد وقومه وهم جالسون في ناديهم قال :
أحلفُ باللّهِ لقد جاءكم اسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب من عندكم فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت ؟
قال : كلّمت الرجلين، فواللّه ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتُهما، فقالا : نفعل ما احببتَ، فغضب سعد لذلك غضباً شديداً، وأخذ الحربة من اُسيد، ثم خرج الى مصعب واسعد ليقتلهما، فلما رآهما سعد مطمئنين وقف عليهما متشتماً مهدداً اياهما، ولكن مصعباً وزميله قابلاه بمثل ما قابلا به سابقه اسيد، وجرى له ما جرى له، فقد فعلت كلمات مصعب في نفسه فعلتها، وخضع لمنطقه القوي، وبيانه الساحِر، وندم على ما قصد فعله، وقال لمصعب نفس ما قاله اسيد واعتنق الاسلام واغتسل وتطهر وصلى ثم رجع الى قومه وقال لهم : يا بني عبد الاشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا وافضلنا رأياً وايمننا نقيبةً.
قال : فان كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا باللّه وبرسوله فالحمد للّه الذي اكرمنا بذلك.
فلم يُمسِ في دار بني عبد الاشهل رجل ولا إِمرأة إِلا مسلماً أو مسلمة، وهكذا أسلم كلُّ قبيلة بني الأشهل قبل أن يروا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأصبحوا من الدعاة إلى الاسلام والمدافعين عن عقيدة التوحيد، لا بمنطق القوة انما بقوة المنطق(14).
ان في التاريخ الاسلامي نماذج كثيرة من هذا القبيل تدل على بطلان وتفاهة ما قاله أو روّجه المستشرقون حول أسباب تقدّم الاسلام وانتشاره، فان العامل المعتمد في جميع هذه الموارد لم يكن المال والتطميع، ولا السلاح والتهديد، كما ادعى المستشرقون، وان الذين اسلموا في هذه الحوادث والوقائع لا هم رأوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولا أنهم التقوا أو اتصلوا به بنحوٍ من الانحاء، انما كان السبب الوحيد هو : منطق الداعية الاسلامي القويّ وبيانه الساحر الجذاب، فهُو الذي كان يفعل في النفوس فعله العجيب، خلال دقائق معدودة، لا في نفس شخص واحد فحسب، بل ربما في نفوس قبيلة بكاملها.
اجل انه المنطقُ القوي والكلام المبرهن والحجة البالغة لا سواها.
   
مخاوف قريش المتزايدة
لقد ايقظت حماية اليثربيين للمسلمين قريشاً من غفلتها ونومها العميق مرة اُخرى، وكانت بيعة العقبة الثانية بمثابة ناقوس خطر لها فبدأت أذاها وإِضطهادها ومضايقتها لهم من جديد، وتهيأت للعمل على الحيلولة دون انتشار الاسلام ونفوذه وتقدمه في الجزيرة العربية، وبلغ ذلك الاذى مبلغاً عظيماً.
فشكى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله اليه ما يلقونه على أيدي المشركين من ضغوط واذى، واستأذنوه في الهجرة الى مكان فاستمهلهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله اياماً ثم قال: «لقد اُخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب فمن اراد الخروج فليخرج إِليها»(15).
وبعد الاذن بالهجرة من قِبَل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أخذ المسلمون يخرجون من مكة، ويتوجهون الى المدينة شيئاً فشيئاً وبحجج مختلفة لكي لا تمنعهم قريش من الهجرة.
ولم يكن قد مضى على بداية هجرة المسلمين التدريجية هذه زمان طويل الا وفطن زعماء قريش لسرها، وخطرها عليهم فاخذوا يمنعون من أي تنقل وسفر يقوم به المسلمون، وقرروا ان يعيدوا الى مكة كل من وجدوه في اثناء الطريق، كما قرروا ان يحبسوا زوجة كل مسلم يريد الهجرة وله زوجة قرشية ويمنعوها عنه، ولكنهم كانوا يتجنبون اراقة الدماء في هذا السبيل، بل وكان يقتصر اذاهم على الحبس والتعذيب ولا يتعداهما.
ولكن هذه المحاولات التي قام بها زعماء قريش لوقف الهجرة الى المدينة لم تثمر لحسن الحظ(16).
فقد استطاعت مجاميع كبيرة من المسلمين النجاة بنفسها من أيدي قريش واللحاق بزملائهم واخوانهم في يثرب حتى انه لم يبق في مكة من المسلمين إِلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعلي عليه السلام وعدد قليل من المسجونين، أو المرضى من المسلمين.
وقد زاد اجتماع المسلمين في يثرب من مخاوف قريش، وضاعف من قلقها، ولهذا اجتمع كلُّ رؤساء القبائل المكية في «دار الندوة» اكثر من مرة للتشاور في كيفية القضاء على الاسلام وطُرحت في ذلك المجلس خطط متنوعة، واقترحت اُمور كثيرة لتحقيق هذه الغاية ولكنها فشلت برمتها بتدبير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وحكمته، وسياسته الدقيقة.
وأخيراً هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من «مكة» إلى «المدينة» في شهر ربيع الاوّل سنة 14 من البعثة.
اجل لقد تضاعف قلق قريش منذ أن حصل محمّد على قاعدة ثانية خارجة عن نطاق هيمنة المكيين وسيطرتهم واصبحوا حيرى لا يدرون ماذا يفعلون، لان جميع خططهم للمنع من انتشار الاسلام، واتساع رقعته، قد باءت بالفشل.
لقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أصحابه بالهجرة الى المدينة والالتحاق بالانصار وقال لهم : «إِنّ اللّه قد جعل لكم داراً وإِخواناً تأمنُون بها»(17)(18).
______________________________
(1) بعاث موضع كانت فيه حرب بين الأوس والخزرج.
(2) السيرة النبوية : ج 1 ص 425 - 427.
(3) السيرة النبوية : ج 1 ص 427 و428.
(4) تاريخ الطبري : ج 2 ص 86، والسيرة النبوية : ج 1 ص 427 و428، بحار الأنوار : ج 19 ص 25.
(5) والتي جاء ذكرها في الآية 12 من سورة الممتحنة.
(6) السيرة النبوية : ج 1 ص 434، بحار الأنوار : ج 19 ص 25.
(7) الملاحظ في هذه البيعة انها كانت بيعة للدفاع عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وليس بيعة للجهاد في سبيل اللّه، ولهذا فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يقدم على القتال في بدر إِلا بعد ان كتب موافقة الانصار ورضاهم.
(8) المحبر : ص 268 - 274.
(9) بحار الأنوار : ج 19 ص 25 و26، السيرة النبوية : ج 1 ص 441 - 450، الطبقات الكبرى : ج 1 ص 221 - 223.
وفي رواية اُخرى في البحار : ج 19 ص 47، كما اخذ موسى من بني اسرائيل اثني عشر نقيباً وقد كان هذا العمل النبوي حكيماً جداً لان عامة الناس لا يمكن التعويل والاتكال على التزاماتهم بل لا بد من الاعتماد - ضمناً - على رموز المجتمع ومفاتيحه وهم وجوه القوم وسراتهم.
(10) البقرة : 89.
(11) الكامل في التاريخ : ج 1 ص 417 و418.
(12) مجتمع شعر الرأس.
(13) السيرة النبوية : ج 1 ص 449 و450.
(14) بستاناً.
(15) إعلام الورى : ص 59، بحار الأنوار : ج 19 ص 10 و11، السيرة النبوية : ج 1 ص 436 و437.
(16) الطبقات الكبرى : ج 1 ص 226.
(17) بحار الأنوار : ج 19 ص 26.
(18) لقد انتهينا من تسجيل حوادث السنوات الثلاث عشرة من البعثة، وقد حاولنا ذكر كل ما كان معلوماً مشهوراً من تواريخها، ولكن لا يمكن اعتبار تواريخ كل تلك الحوادث اُموراً مقطوعاً بها، من هنا ذكرنا الحوادث المثبتة في الفصل 24 من دون ادراج تواريخ لها في الاغلب ولكن حيث أن الوقائع الحادثة بعد الهجرة وقعت في أوقات معينة معلومة لذلك فاننا سنرفق ذكر كل حادثة بتاريخ وقوعها في الفصول القادمة.
  
  
  
المصدر: كتاب سيد المرسلين (ص) .. الجزء الاول، تأليف: الشيخ جعفر السبحاني
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved